كوفيد-19.. تجربة نموذجية في مجال التكوين عن بعد

بقلم: عبد اللطيف أبي القاسم

في ما يبدو أنها قصة نجاح في مجال التكوين عن بعد بالتعليم العالي بالمغرب في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد، خاض تكوين الدكتوراه بشعبة الدراسات الإنجليزية بجامعة محمد الخامس بالرباط “تجربة نموذجية” صحيح أنها هي الأولى من نوعها بالمملكة، لكنها قد لا تكون الأخيرة باعتبار أهمية مخرجاتها.

فأمام حالة الطوارئ الصحية التي اعتمدتها المملكة بسبب الجائحة، وما فرضته من ضرورة توقف الدروس الحضورية، وجد القائمون على برنامج “اللغة والثقافة والمجتمع”، وهو برنامج موجه لطلبة الدكتوراه باللغة الإنجليزية ضمن مركز الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أنفسهم، على غرار باقي مؤسسات التعليم العالي، أمام ضرورة تبني تقنية التكوين عن بعد، حيث سطروا لهذا الغرض سلسلة محاضرات وحلقات دراسية غنية تمتد على مدى شهرين (20 ماي – 20 يوليوز 2020)، ويؤكدون هم والمستفيدون منها أنها قد حققت الغرض المبتغى منها.

وفي واقع الأمر، فإن الحديث عن نجاح هذه “التجربة الفريدة” يجد مبرراته في عدة اعتبارات أولها يتمثل حسب منسقة برنامج الدكتوراه “اللغة والثقافة والمجتمع”، يامنة القيراط، في كونها تقوم على برنامج تكويني عن بعد شمل 38 محاضرة تم بثها على منصة (زووم) وصفحة البرنامج على (فاسيبوك)، وأشرف على تأطيرها أساتذة وخبراء مغاربة ودوليون من كندا والولايات المتحدة وأوروبا، وإفريقيا، كما تابعها أزيد من 40 ألف شخص.

وأوضحت السيدة القيراط في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذه السلسلة من المحاضرات تأتي كحل مبتكر في مواجهة جائحة كوفيد-19 وتداعياتها على الطلبة خصوصا، وذلك من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة لضمان استمرارية المساهمات الأكاديمية والعلمية لبرنامج الدكتوراه، ليس فقط لفائدة الطلبة الباحثين المسجلين فيه، ولكن لمجموع الباحثين من المغرب والخارج.

وأشارت إلى أن الإعداد لهذا البرنامج التدريبي بدأ في فبراير المنصرم من خلال الوقوف عند استعداد أساتذة شعبة الدراسات الانجليزية للمشاركة فيه، واستنادا إلى حاجيات التكوين التي عبر عنها طلبة سلك الدكتوراه من التكوين من خلال إجاباتهم على استمارات خصصت لهذا الغرض، مضيفة أن الهدف العام من البرنامج يكمن ليس فقط في تحديث طريقة العمل البحثي الأكاديمي، وإنما كذلك في تجديد الطريقة المعتمدة في التعليم، إلى جانب إعادة النظر في عناصر أساسية للبحث الأكاديمي من قبيل الإشراف، والجمع بين التخصصات، والتعاون الدولي، وإنتاج المعرفة، والتعلم عن بعد وغيرها.

وتشمل هذه السلسلة من المحاضرات، على الخصوص، الدروس النظرية التي تؤطر إعداد الأطروحات، ابتداء من صياغة الإشكالية، ومرورا بمناهج البحث واختيار العينات وإعداد أدوات البحث من استمارات وحوارات، وليس انتهاء بأدوات البحث والقياس الكمي والبرامج الحاسوبية الخاصة بتحليل وعرض نتائج البحوث، إلى جانب أخلاقيات البحث العلمي ودروس تطبيقية لإجراء بحوث ميدانية على أرض الواقع.

وحسب القيراط، فإن من أهم ما ميز هذه التجربة أيضا طبيعتها التفاعلية، حيث أتاحت الفرصة للتفاعل مع الطلبة والمتتبعين من خلال الإجابة عن جميع التساؤلات التي يطرحونها، مشيرة في هذا الصدد إلى أن عدد مشاهدي كل حلقة بلغ في المعدل 4 آلاف مشاهدة، فيما بلغ عدد الأسئلة والتعليقات على كل حلقة مائة سؤال وتعليق.

وحسب الطلبة المستفيدين من البرنامج، فإن هذه التجربة التكوينية عن بعد “قد أعطت أكلها على نحو جيد”، لاسيما في ظروف الحجر الصحي الذي فرضته الجائحة، حتى إن منهم من اعتبر أن وقعها أفضل مما كان يمكن أن يتحقق لو استمر الوضع كما كان عليه قبل الجائحة.

وتكمن أبرز نقاط الضوء في هذه التجربة حسب المصدر ذاته، في أهمية الموضوعات التي تم التطرق لها في هذه الحصص، والتي شكلت في مجملها دليلا للطلبة لإعداد أطروحاتهم مع مراعاة المعايير العلمية المطلوبة في عملية البحث العلمي.

وعن تجربته مع هذا البرنامج، يقول الطالب في سلك الدكتوراه، عبد المالك المرابط، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الميزة الأولى لهذه “التجربة الفريدة” تتمثل في كونها مكنت من احترام الإجراءات الاحترازية من تفشي الجائحة وسهلت متابعة التكوين في ظروف الحجر الصحي، حيث جنبت الكثير من الطلبة عناء التنقل من مدن بعيدة لتأمين الدروس الحضورية، وهو ما حدث معه شخصيا باعتباره ينحدر من مدينة تطوان. كما أن بعض الطلبة الذين عادة ما كانوا يتغيبون عن الحصص الحضورية قد التزموا بمتابعة جميع الحصص عن بعد، وهذه نقطة تحسب أيضا للبرنامج.

الميزة الثانية التي رصدها المرابط في تجربته مع هذا البرنامج تتمثل في كونه قائما على مقاربة تركز على المتعلم «Learner Centred Approach» حيث أتاحت للطالب فرصة الاستفادة من محاضرات “تصب في صميم ما يحتاجه لإنجاز بحثه، وتساعده على حل المشاكل التي يواجهها شخصيا في مسيرته البحثية”، بل إن بعض المحاضرات كانت تتطلب من الطلبة تقديم أسئلة عن موضوعها بشكل مسبق حتى تجيب عنها.

ويضيف المرابط أن تجربة التكوين عن بعد في إطار هذا البرنامج كانت أيضا “غنية من حيث المحتوى” حيث سمحت بالاستفادة من تجارب ومنظورات مختلفة قدمها أساتذة من جامعات عالمية من الولايات المتحدة (أريزونا، وتكساس، وبنسلفانيا)، وجامعات من إفريقيا جنوب الصحراء، وجامعات مغربية أخرى.

على أن البرنامج التكويني عن بعد لم يكن مقتصرا على طلبة جامعة الرباط فحسب، حيث يشير المرابط إلى أن هناك طلبة من جامعات مغربية أخرى بل ومن دول مختلفة من قبيل باكستان والهند والجزائر وتونس وجنوب إفريقيا وغيرها تابعوا سلسلة هذه المحاضرات.

وعودا على تصريح منسقة برنامج الدكتوراه، السيدة القيراط، فإن المحاضرات التي قدمت في إطار هذه السلسلة ستظل مسجلة على صفحة برنامج الدكتوراه في (فايسبوك) بما يجعلها أرشيفا علميا غنيا متاحا للطلبة الحاليين والمقبلين.

وإضافة إلى هذا المعطى، يقول الطالب المرابط، إنه تم تكليف الطلبة المسجلين في برنامج الدكتوراه بتفريغ جميع هذه المحاضرات حتى تكون وثيقة مرجعية مكتوبة، وصياغة ملخصات لها، وهو ما يعزز مخرجات البرنامج التكويني عن بعد بحيث يكون أرشيفه مرئيا ومكتوبا.

هكذا إذن، يكون برنامج الدكتوراه (اللغة والثقافة والمجتمع) بجامعة محمد الخامس بالرباط، قد قدم “تجربة نموذجية” في مجال التكوين عن بعد في زمن الجائحة، بما مكن من تحويلها من ظرف صعب أثر سلبا على العديد من القطاعات، إلى فرصة مثالية لتقديم خدمة إضافية للبحث العلمي بالمملكة.