أي مساهمة للجامعة المغربية في البحث العلمي درءا للجائحة؟

بقلم: محمد الصغير

فرضت جائحة (كوفيد-19) تعبئة من مختلف القطاعات ، كل من موقعها ، على الأقل للحد من تداعياتها في مختلف بقاع العالم.

وكان قطاع البحث العلمي أحد مفاتيح فك شفرة هذا الوباء من خلال دفع الجامعة إلى الانفتاح على واقع أصبحت تشكل فيه المسألة الوبائية قضية العصر الأولى، لما خلفته من خسائر غير مسبوقة في الأرواح وفي أضرار اقتصادية ومآسي اجتماعية جمة.

لذلك، فإن الجامعة ينظر إليها في هذه الظرفية كأحد فرق الإنقاذ من خلال أبحاث علمية تصب في اتجاه واحد، يتمثل في معرفة أسرار هذه الجائحة من أجل تخليص البشرية من براثنها وعودة الحياة إلى وضعها الطبيعي.

في خضم ذلك، تسعى جامعة محمد الخامس بالرباط لأن تبصم على حضور وازن بين نظيراتها الوطنية والدولية بأبحاث تساهم في الإحاطة بهذا الفيروس من جميع جوانبه، حيث إنها اقترحت نحو 60 مشروعا بحثيا متعلقا بالجائحة في أقل من شهر، وفق إفادة رئيسها محمد غاشي لوكالة المغرب العربي للأنباء.

وأوضح أن هذه المشاريع تتعلق بالقضایا التي تهم ، بالخصوص ، معرفة فیروسات كورونا، والرصد الذكي للفیروسات، وتحسین الرعایة الطبیة، واستخدام النباتات الطبیة، ومعالجة النفایات الناتجة عن الوباء، والحلول المقترحة للإقلاع بالقطاعات الاقتصادیة في ظل الأزمة، والمقاربات التعلیمیة في فترة الكوفید.

وتابع الأكاديمي غاشي في حواره للوكالة أن الجامعة قامت بإصدار ونشر مؤلف جماعي تحت عنوان “المعرفة والابتكار والخبرة في مواجھة وباء كوفید-19.. نحو خروج سریع من الأزمة، تحلیل التداعیات واقتراح الحلول”.

وقال إن المؤلف بمثابة دلیل الجامعة المعرفي لجائحة (كوفید-19) يقوم بتحلیل تداعیاتھا من مختلف جوانبھا الصحیة والإنسانیة والاجتماعیة والاقتصادیة والتكنولوجیة، ومن تم تقدیم حلول ناجعة وفعالة للأزمة المترتبة عنھا.

وحسب المتحدث “فإننا نطمح أن نجعل من ھذا المؤلف وثیقة مرجعیة أساسیة، سواء للخطط الرامیة للنھوض بالقطاعات المتأثرة بجائحة (كوفید-19)، أو لمشاریع البحث والابتكار التي سیتم تنفیذھا في ھذا المجال”.

وسجل أن نسبة المنشورات العلمیة للجامعة، التي تناولت موضوع الجائحة تمثل أزيد من 26 في المائة من مجموع المنشورات في المغرب في الفترة ما بين ینایر وشتنبر 2020.

من جهة أخرى، أشار إلى دعوة أطلقت ، مؤخرا ، لإنجاز مشاریع بحثیة في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبیقاته، موردا أن جامعة محمد الخامس بالرباط استجابت لهذه الدعوة بحصولها على 30 في المائة من المشاریع المختارة و29 في المائة من التمویل الكلي.

وتھتم ھذه المشاریع التي تتعامل مع التطبیقات القطاعیة للذكاء الاصطناعي ، وفق رئيس الجامعة ، بعدة مجالات تشمل الصحة، والزراعة، والتعلیم، والمیاه، والبیئة، والعدالة، والمدن الذكیة، والبیانات الضخمة. وقال إن غالبیة ھذه المشاریع البحثیة “تقدم حلولا مبتكرة للتعامل مع القضایا المطروحة بالمملكة”.

ولفت إلى أن هذه الجامعة تمكنت من تحقیق الریادة في براءة الاختراع، ذلك أنه من بین 254 براءة اختراع قدمتھا الجامعة، تم نشر 174 براءة اختراع من قبل المكتب المغربي للملكیة الصناعیة والتجاریة، مع حصول 158 براءة اختراع على الاعتراف النھائي بالجدّة والابتكار والتطبیق الصناعي.

وأبرز في ھذا الإطار، أن الجامعة تعمل على إنشاء شبكة InnoVal (الشبكة المفتوحة للابتكار والتثمین) التي تضفي الطابع الاحترافي على مساحات الابتكار والتثمین في مؤسسات الجامعة، حیث ستساھم في تعزیز الإنجازات في مجال منح براءات الاختراع وتسریع إطلاق الأعمال المبتكرة.

وخلص الأكاديمي محمد غاشي إلى أن جائحة كورونا كان لها العدید من التداعیات على شتى المجالات “غیر أنھا وضعتنا أمام محطات تأمل وتفكیر عمیق في ضرورة الرفع من میزانیة البحث العلمي وتحسین مناخات العمل والإبداع وتحصین الملكیة الفكریة وبراءات الاختراع”.

وعبر عن قناعته بأن البحث العلمي ، إلى جانب التعلیم ، یعد المدخل الأساسي للتنمیة المستدامة وركیزة أساسیة للخروج من أزمة (كوفید-19) التي أثبتت أھمیة هذا البحث ومساھمته في الحد من آثار الجائحة، وقدرته على إیجاد الحلول الناجعة في تدبیر الأزمات الوبائیة.

وفي حواره، لم يفت رئيس الجامعة التذكير بالإجراءات المواكبة للدخول الجامعي في سیاق الجائحة، منها فتح التسجیل القبلي في وجه الطلبة الجدد عن بعد بمختلف المسالك المفتوحة، عبر المنصة الإلكترونیة المخصصة لذلك، واعتماد التسجیل عن بعد، وبلورة برنامج خاص بالدخول الجامعي امتد من 15 شتنبر إلى غایة 15 أكتوبر 2020، ضم حصصا عن بعد، مع اتخاذ قرار باعتماد صیغة مزدوجة بین “الحضوري” و“عن بعد“ تأخذ بعین الاعتبار خصوصیة المؤسسات والمسالك والمواد المدرسة بھا، وإمكانية تكييف النموذج البیداغوجي المعتمد في أي فترة من الموسم الجامعي الجاري وذلك تبعا لتطور الحالة الوبائیة والتغیرات التي قد تطرأ على المستوى المحلي والجھوي والوطني.

وبخصوص الإشكالیات التي طرحتها الجائحة على مستوى تدبیر الدروس والتواصل بین الإدارة/الأستاذ/الطالب، اعتبر رئيس الجامعة أنه لم تسجل أية عوائق بفضل سلسلة من الاجتماعات التي عقدت عشية الدخول الجامعي مكنت من مناقشة وتحدید الإجراءات العملیة الاستعجالیة التي اتخذت، منها إحداث وتفعیل الحسابات الإلكترونیة المؤسساتیة لفائدة الطلبة، لتمكینھم من متابعة الدروس عبر المنصات والمواقع الإلكترونیة للمؤسسات الجامعیة، وتوفیر ترسانة مھمة من الموارد الرقمیة والسمعیة البصریة وكل الدعامات البیداغوجیة، والاستعانة بمجموعة من المنصات التفاعلیة لإنشاء الأقسام الافتراضیة.

وعن وضعیة الإقامة الجامعیة في ظل التدابیر الاحترازیة من الكوفید، أورد المتحدث أن جامعة محمد الخامس بالرباط توفر ، كجزء من سیاستھا الاجتماعیة ، إقامات جامعیة بكل من المدرسة المحمدیة للمھندسین، والمدرسة الوطنیة العلیا للمعلوماتیة وتحلیل النظم، والمدرسة العلیا للفنون والمھن وكلیة علوم التربیة، إلا أنه في إطار المجھودات الرامیة إلى الحفاظ على صحة وسلامة الطلبة خلال ھذه الظرفیة الاستثنائیة، وتھییئا للظروف الملائمة للتحصیل خصوصا في الفترة المخصصة للتعلیم الحضوري، تم ، بتنسیق مع السلطات المحلیة ، فتح بعض الإقامات الجامعیة التابعة لجامعة محمد الخامس بتخصیص غرفة لكل طالب على أن یتم استقبال الطلبة حسب مستوى الدراسة، مع اتخاذ جمیع الإجراءات الاحترازیة وضمان احترام التدابیر الوقائیة التي وضعتھا السلطات المحلیة لتفادي نشر العدوى.

وبخصوص تجربة التعلیم عن بهذه الجامعة، اعتبر الباحث غاشي أنها لم تكن ولیدة الأزمة التي جاءت بتفشي الجائحة، بل انطلقت بإنشاء خلیة للتعلیم عن بعد سنة 2002، تحولت في 2005 إلى مركز الموارد الجامعیة، ثم في 2011 إلى مركز التعلم عن بعد، لیصبح في 2019 مركز التعلم الرقمي. ومنذ ذلك الحین، كان التعلیم عن بعد اختیاریا، أما الیوم فأصبح ضرورة قصوى یأتي كنمط تكمیلي للتعلیم الحضوري.

وختم السيد محمد غاشي بالقول “إننا بجامعة محمد الخامس بالرباط، وانطلاقا مما تم استخلاصه من تجربة التعلیم عن بعد في ظل ھذه الجائحة، نقوم بتوفیر الإمكانات والشروط اللازمة لإنجاح عملیة المزاوجة بین الدروس الحضوریة والدروس عن بعد، ووضع برنامج ھادف ومسطر بإشراك جمیع الفاعلین بالجامعة في بلورتھ وتنزیله، تماشیا مع القانون الإطار للتربیة والتكوین الذي یؤكد على ضرورة تنمیة وتطویر التعلیم عن بعد باعتباره مكملا للتعلیم الحضوري”.